الشيخ محمد رشيد رضا
297
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فأما سورة مريم فقد فصلت فيها قصتها بعد قصة يحيى وزكريا المشابهة لها . ويتلوهما ذكر رسالة إبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس مبدوءا كل منها بقوله تعالى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) * والمراد بالكتاب الآن . فكأنه قال في كل من قصة زكريا ويحيى وقصة مريم وعيسى ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ ) * وذكر هذه القصص في الآن من دلائل كونه من عند اللّه تعالى لان النبي ( ص ) لم يكن يعلم هذا لا هو ولا قومه كما صرح به في سورة هود بعد تفصيل قصة نوح مع قومه بقوله ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا ، فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) وكما قال في آخر سورة يوسف بعد سرد قصته مع اخوته ( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) وختمت هذه السورة « أي سورة مريم » بابطال الشرك واثبات التوحيد ونفي اتخاذ اللّه تعالى للولد وتير عقيدة البعث والجزاء . فهي بمعنى سائر السور التي كانت تتلى للدعوة ويقصد بها اثبات التوحيد والبعث ورسالة خاتم النبيين وصدق كتابه الحكيم وأما سورة العنكبوت وسورة الروم فكل منهما قد افتتحت بعد « ألم » بذكر أمر من أهم الأمور المتعلقة بالدعوة . فالأول الفتنة في الدين . وهي إيذاء الأقوياء للضعفاء واضطهادهم لأجل ارجاعهم عن دينهم بالقوة القاهرة . كان مشركو يش يظنون أنهم يطفئون نور الاسلام ويبطلون دعوته بفتنتهم للسابقين اليه وأكثرهم من الضعفاء الذين لا ناصر لهم من الأقوياء بحمية نسب ولا ولاء . وكان المضطهدون من المؤمنين يجهلون حكمة اللّه بظهور أعدائه عليهم . فبين اللّه في فاتحة هذه السورة أن الفتنة في الدين من سننه تعالى في نظام الاجتماع يمتاز بها الصادقون من الكاذبين ، لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ، وتكون العاقبة للمتقين الصابرين . فكانت السورة جديرة بأن تفتتح بالحروف المنبهة لما بعدها . والأمر الثاني الذي افتتحت به سورة الروم هو الانباء بأمر وقع في عهد النبي « ص » ولما يكن وصل خبره إلى قومه - وبما سيعقبه مما هو في ضمير الغيب . ذلك أن دولة فارس غلبت دولة الروم في القتال الذي كان قد طال أمره بينهما فأخبر اللّه رسوله « ص » بذلك وبأن الامر سيدول وتغلب الروم الفرس في مدى بضع سنين . وبأن اللّه تعالى ينصر في ذلك اليوم المؤمنين على المشركين ، وقد صدق الخبر وتم الوعد فكان كل منهما معجزة من أظهر معجزات الآن والآيات